النووي
24
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )
قُلْتُ : هَذَا التَّوَقُّفُ مِنَ الْإِمَامِ الرَّافِعِيِّ عَجَبٌ ، فَقَدْ جَزَمَ وَصَرَّحَ بِالِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ جَمَاعَاتٌ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِنَا ، مِنْهُمُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ ، وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ ، وَصَاحِبُ ( الْحَاوِي ) وَالْمَحَامِلِيُّ ، وَصَاحِبَا ( الشَّامِلِ ) وَ ( الْبَيَانِ ) وَآخَرُونَ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْخُرَاسَانِيِّينَ . وَقَطَعَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْخُرَاسَانِيِّينَ عَلَى قَوْلِ التَّبَاعُدِ بِأَنْ يَكُونَ الْمُجْتَنَبُ نَجِسًا ، كَذَا قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ ، وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ ، وَالْبَغَوِيُّ ، وَغَيْرُهُمْ . حَتَّى قَالَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ : لَوْ كَانَ قُلَّتَيْنِ فَقَطْ ، كَانَ نَجِسًا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ . وَالصَّوَابُ : الْأَوَّلُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . إِذَا غُمِسَ كُوزٌ مُمْتَلِئٌ مَاءً نَجِسًا فِي مَاءٍ كَثِيرٍ طَاهِرٍ ، فَإِنْ كَانَ وَاسِعَ الرَّأْسِ ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَعُودُ طَهُورًا ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقَهُ ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ . وَإِذَا حَكَمْنَا بِأَنَّهُ طَهُورٌ فِي الصُّورَتَيْنِ ، فَهَلْ يَصْلُحُ ذَلِكَ عَلَى الْفَوْرِ ، أَمْ لَا بُدَّ مِنْ زَمَانٍ يَزُولُ فِيهِ التَّغَيُّرُ لَوْ كَانَ مُتَغَيِّرًا ؟ فِيهِ وَجْهَانِ . الْأَصَحُّ : الثَّانِي . وَيَكُونُ الزَّمَانُ فِي الضَّيِّقِ أَكْثَرَ مِنْهُ فِي الْوَاسِعِ . فَإِنْ كَانَ مَاءُ الْكُوزِ مُتَغَيِّرًا ، فَلَا بُدَّ مِنْ زَوَالِ تَغَيُّرِهِ ، وَلَوْ كَانَ الْكُوزُ غَيْرَ مُمْتَلِئٍ ، فَمَا دَامَ يَدْخُلُ فِيهِ الْمَاءُ ، فَلَا اتِّصَالَ ، وَهُوَ عَلَى نَجَاسَتِهِ . قُلْتُ : إِلَّا أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنَ الَّذِي فِيهِ ، فَيَكُونُ حُكْمُهُ مَا سَبَقَ فِي الْمُكَاثَرَةِ .